ابن قيم الجوزية

667

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

لغريمه . ومنه سمي عذاب النار غراما للزومه لأهله . وعدم مفارقته لهم . قال تعالى : إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً [ الفرقان : 65 ] . الخامسة « الوداد » وهو صفو المحبة ، وخالصها ولبّها ، و « الودود » من أسماء الرب تعالى . وفيه قولان : أحدهما : أنه المودود . قال البخاري رحمه اللّه في « صحيحه » « الودود الحبيب » . والثاني : أنه الوادّ لعباده . أي المحب لهم . وقرنه باسمه « الغفور » إعلاما بأنه يغفر الذنب ، ويحب التائب منه ، ويودّه . فحظ التائب : نيل المغفرة منه . وعلى القول الأول « الودود » في معنى يكون سر الاقتران . أي اقتران « الودود بالغفور » استدعاء مودة العباد له ، ومحبتهم إياه باسم « الغفور » . السادسة « الشغف » يقال : شغف بكذا فهو مشغوف به . وقد شغفه المحبوب . أي وصل حبه إلى شغاف قلبه . كما قال النسوة عن امرأة العزيز قَدْ شَغَفَها حُبًّا [ يوسف : 30 ] . وفيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنه الحب المستولي على القلب ، بحيث يحجبه عن غيره . قال الكلبي : حجب حبّه قلبها حتى لا تعقل سواه . الثاني : الحب الواصل إلى داخل القلب . قال صاحب هذا القول : المعنى أحبته حتى دخل حبّه شغاف قلبها ، أي داخله . الثالث : أنه الحب الواصل إلى غشاء القلب . و « الشغاف » غشاء القلب إذا وصل الحب إليه باشر القلب . قال السدي : الشغاف جلدة رقيقة على القلب . يقول : دخله الحب حتى أصاب القلب . وقرأ بعض السلف ( شعفها ) بالعين المهملة . ومعناه : ذهب الحب بها كل مذهب . وبلغ بها أعلى مراتبه ، ومنه : شعف الجبال ، لرؤوسها . السابعة « العشق » وهو الحب المفرط الذي يخاف على صاحبه منه ، وعليه تأول إبراهيم ، ومحمد بن عبد الوهاب وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ [ البقرة : 286 ] قال محمد : هو العشق . ورفع إلى ابن عباس رضي اللّه عنهما شاب - وهو يعرفه - قد صار كالخلال . فقال : ما به ؟ قالوا : العشق . فجعل ابن عباس رضي اللّه عنهما عامة دعائه بعرفة : الاستعاذة من العشق . وفي اشتقاقه قولان : أحدهما : أنه من العشقة - محركة - وهي نبت أصفر يلتوي على الشجر ، فشبه به العاشق . والثاني : أنه من الإفراط . وعلى القولين : فلا يوصف به الرب تبارك وتعالى ، ولا العبد في محبة ربه . وإن أطلقه سكران من المحبة قد أفناه الحب عن تمييزه . كان في خفارة صدقه ومحبته . الثامنة « التتيّم » وهو التعبد ، والتذلل . يقال : تيّمه الحبّ أي ذلّله وعبّده . وتيم اللّه : عبد اللّه . وبينه وبين « اليتم » - الذي هو الانفراد - تلاق في الاشتقاق الأوسط ، وتناسب في المعنى . فإن « المتيّم » المنفرد بحبه وشجوه . كانفراد اليتيم بنفسه عن أبيه ، وكل منهما مكسور ذليل . هذا كسره يتم . وهذا كسره تتيّم .